توريث الإناث في المجتمع الشرقي اختلف عليه البشر واتفق فيه الشرع
المصدر : رنا آل رشي   
25/07/2008
 يقول المثل الشعبي "من يفرق بين أولاده بتمرة له في جهنم جمرة"، فما هو الحال فيما إذا كانت التفرقة ما بين الذكور والإناث بالورثة وبالحقّ الشرعي فيها!!. هذا ما يعانيه الإناث، سواء في المدينة أم في الريف، عبر حرمانهن من حقّهن الشرعي في الورثة، التي جعل منها الربّ للذكر مثل حظ الأنثيين، والتي غابت عن غالبية المجتمع الحلبي، وما زالت جذورها غير الظالمة ترسخ في عقول وعادات الحلبيين، دون التفكير بمساوئها النفسية والمستقبلية على الفتاة أولا، وعلى الأسرة نواة المجتمع ثانياً!.
".

متى سنضع حداً لهذه العادات الاجتماعية البالية المخالفة للقوانين وللتعاليم الدينية؟ ألا يجب علينا فعلا التحرك السريع لمواجهة هذه المنظومة من قبل خطباء الجوامع والمعنيين في حلب؟ إلى متى سنبقى محكومين بالعادات والتقاليد دون التفكير بنتائجها وتغيرها من زمن إلى آخر ومن جيل إلى جيل؟  
سعاد البالغة من العمر 31 عاماً (من ريف حلب)، حرمها والدها هي وأخواتها الثلاثة من حقهن في الميراث على حياة عينه، ليكتب ما يملكه من عقار ومن أراضٍ لولديه. تقول سعاد: "أنا لم أرَ ظلما أكثر من هذا الظلم، ولكن ليس باليد حيلة، لأنَّ والدي هو الآمر والناهي في المنزل. ولكن ما يزعجني هو أن أخواتي الثلاث إلى الآن لم يتزوجن، وقد فاتهم القطار لكبر أعمارهن، فما مصيرهن بعد وفاة والدي، هل ستتحكم بهنَّ زوجة الأخ أو سيكون مصيرهن الطرد من المنزل؟!
عمّي أحد التجار المعروفين في المدينة وزَّع قبل وفاته أمواله وعقاراته على ابنه الوحيد وأحفاده وأحفاد أحفاده البالغين من العمر سنة وسنتين، وحرم  بناته الخمسة من الميراث".
 ومن هنا رغبت "بلدنا" بوضع الملح على الجرح، ومعرفة الأسباب الرئيسية لتمسك الآباء بعادات حرمان الأنثى من الميراث، وبيان تأثيراتها السلبية على العائلة.

¶ منطقية التبرير

 نهلة (44 عاماً) تعزو تصرّف والدها بحرمانها الميراث إلى أنَّ ملكية الأراضي الزراعية من وجهة نظر والدها، يجب أن تكون للأبناء، لأنهم الأقدر على حمايتها ومتابعة رزقها، مضيفة: "إنَّ تبريره لم يكن منطقياً لأنه يستطيع توزيع الرزق الناتج من الأرض على الإناث من عائلتنا، ولم يورثنا إلا الحقد والضغينة والمشاكل التي نشأت بين إخواننا".

- ثقافة مغلوطة

أما سمر (موظفة)، فتقول: "ثقافة الصهر في حلب مغلوطة، لأنَّ العائلة تعتبره من خارج الأسرة، وهو مفهوم مخالف عما سمعناه من أجدادنا. لكن الثقافة المادية سيطرت على عقول الآباء، باعتبار الصهر شخصاً غريباً يطمع بأموال العائلة حتى لو كان مليئاً مادياً".
 أما خالد (طالب جامعي) فينفي هذه العادات، ويرى أنها خلفت الظلم والانقسام الواضح في الأسرة الواحدة، عدا عن العداوات بين الأجيال التالية لجيلهم وانغماسهم بمشاكل يعود عمرها إلى نصف قرن دون أن تنتهي".
وعندما سألنا الآباء عن رأيهم في موضوع الورثة كانت تبريرات معظمهم تتمحور حول قول واحد ألا وهو : "ما عم أشتغل طول عمري مشان ياخذ صهري شقا عمري".

¶ المرأة بين نارين؟

 أمّا الدكتور حسان المالح (مستشار في الطب النفسي) فأكد في حديثه لـ"بلدنا" أنَّ "المرأة تعرَّضت لأنواع مختلفة من الظلم عبر تاريخها، ولازالت إلى عصرنا الحالي تعاني من جملة من التصورات والسلوكيات والقوانين، التي يمكن وصفها بأنها تظلم المرأة، وتزيد من معاناتها، وأنَّ موضوع حرمان المرأة من ميراثها وإعطاء الرجل كامل الميراث، لا يوافق عليه عقل أو دين أو خلق، مهما كانت المبرّرات التي تساق لتبرير مثل هذا الظلم".
وأوضح قائلا: "صحيح أنَّ عصرنا الحديث يضغط على الرجل ويحمله أعباءً اقتصادية ومعنوية كبيرة، لكن من غير المقبول أن يقوم الرجل بالاستيلاء على حقوق المرأة لأنها في كثير من المواقف تتحمَّل الأعباء التي لا يستطيع الرجل نفسه تحملها".
 وعما تولده هذه العادات، بيَّن الدكتور المالح أنَّ "الظلم يولد الإحباط والغضب والشعور بالعجز واليأس، وفي كثير من الحالات لا تجد المرأة من يعينها كي تأخذ حقوقها أو تخفف من الظلم الواقع عليها، بسبب قوة الطرف المعتدي وبطشه وتشعب أساليبه وتبريراته، وهي تقع فريسة للإحباط واليأس والغضب الداخلي. وكل ذلك يساهم في نشوء أمراض جسمية أونفسية، وكذلك يتسبَّب في الاكتئاب وعدد من الاضطرابات النفسية الأخرى".
 وأضاف: "من الأولى السعي لحلّ المشكلات الاجتماعية والاقتصادية بالطرق المقبولة، دون ظلم أو اعتداء على حقوق المرأة، ولابدَّ لها من أن تدافع عن نفسها وحقوقها بدلاً من الاستسلام لليأس والقنوط، ولابد من الوعي والتوعية الصحيحة، للوقوف بوجه الظلم وردعه، والتخفيف من آثاره ومساوئه، والتسلح بالتفكير النقدي البناء، ومواجهة المشكلات بشكل إيجابي فعال".

رأي الشرع والدين في الورثة

لمعرفة رأي الدين والشرع في هذه العادات التقت "بلدنا" الشيخ الدكتور محمود عكام مفتي حلب، الذي أكد  أنَّ ا"لحكم الشرعي واضحٌ، وهو حرام، لأنَّ الإنسان الذي يمنع حقَّ شخص آخر هو إنسان مجرم وظالم". وأضاف: "أما عن الحلول، فيجب أن يتَّفق جميع الموجهين الدينيين والاجتماعيين والثقافيين والدولة والجامعات وكل من له دور في هذه القضية، من أجل إزالة العادات البالية من المجتمع، لأنها تسبّب اضطرابا وقلقاً وعداوات متأصلة فيه. ويجب على الجامعات أن تساهم في ذلك عن طريق المحاضرات التثقيفية، إضافة إلى دور الدولة في تثقيف الأهالي عن طريق بثها في وسائلها التعليمية والإعلامية. والأهم من ذلك كله تأسيسها لمادة قانونية في القانون المدني، لمحاسبة ومعاقبة كل إنسان يحرم بناته على حساب أولاده من الميراث".   وعن أهمية الخطب في الجوامع لردع الأهالي عن هذه التصرفات، أجاب مفتي حلب: "الخطب في الجوامع لم يعد لها نفس التأثير الكبير كما كان في السابق، لأنَّ أغلب المصلين يحضرون الخطبة لتأدية الواجب والفريضة وليس للتطبيق. لذلك يجب على جميع المسؤولين في المجالات الدينية والثقافية والتنفيذية والقانونية التنبيه على هذه المسألة لأنَّ هذه القضية تخالف الدين والمجتمع والحياة