| ساحة المرجة.. تاريخ حافل.. تناقضات عجيبة.. ومكان يجمع الخيال مع الواقع |
|
|
| المصدر : بلدنا | |
| 30/07/2010 | |
يطلقون عليها عاصمة العاصمة وأم الميادين والساحات العامة الدمشقية، والمكان الذي يجمع الأضداد والتناقضات من العمارة القديمة والحديثة إلى مختلف طبقات المجتمع الدمشقي، من الفقير إلى الثري، ومن المتسوِّل إلى البائع البسيط وصولاً إلى أصحاب المحلات الكبيرة، مروراً بتجّار العملة الصعبة وسماسرة الفنادق.. إنها «ساحة المرجة» أقدم وأول ساحة عرفتها دمشق المعاصرة مع بدايات القرن العشرين المنصرم. وتاريخ «ساحة المرجة» الحافل وتناقضاتها العجيبة وموقعها الاستراتيجي المميَّز وسط دمشق مع الأسواق المتفرعة عنها، جعلتها مكاناً يجمع الخيال مع الواقع، ويقدِّم قراءة لمفردات الحياة الدمشقية، لتأتي الساحة متفرِّدة في كلِّ شيء، ومتميِّزة عن كلِّ ساحات وميادين دمشق والمدن السورية الأخرى. ¶ ساحة الشهداء في المرجة، ينتصب العمود الشهير الذي بُني مع تأسيس الساحة قبل مئة عام، وبُني على هذا العمود مجسَّم لجامع هو الأصغر في العالم، وجاء هذا العمود والمجسّم تذكاراً لتدشين الاتصالات بين دمشق والمدينة المنورة في أواخر العهد العثماني، ومتزامناً مع إطلاق الخط الحديدي الحجازي ومحطة القطارات المجاورة لساحة المرجة، وقد أقيم العمود والنصب التذكاري سنة 1907، أيام الوالي العثماني حسين ناظم باشا، ولا يزال إلى اليوم. وهو عبارة عن عمود مرتفع ضخم مزخرف بطريقة جميلة ومعبِّرة، قاعدته من حجر البازلت الأسود، وقد صمَّم هذا النصب الفنان الإيطالي دارونكو، وقام بتنفيذه من معدن البرونز، كما أقام فوقه نموذجاً دقيقاً لجامع يلدز في تركيا، كما يقول الباحث الدكتور قتيبة الشهابي، حيث كانت دمشق التي أطلق عليها العثمانيون «شام شريف»، من أهم المدن في الإمبراطورية العثمانية بعد إسطنبول. كما شهدت المرجة أحداثاً سياسية مهمة وكوارث طبيعية؛ فبعد سنوات من تأسيسها، شهدت قيام جمال باشا السفاح بإعدام رجالات سورية ولبنان في 6 مايو (أيار) من العام 1916، كما شهدت إعدام أبطال الثورة السورية الكبرى (1925 ـ 1927)، الذين كانت فرنسا تلقي بجثثهم في ساحة المرجة، بغية نشر الرعب في النفوس، كما يقول المؤرّخ الدكتور قتيبة الشهابي.. وفي أواسط شهر آب من العام 1915م، ألقى جمال باشا السفاح القبض على عدد من أحرار وزعماء العرب ومفكِّريهم وبعد محاكمة صورية حكم عليهم بالإعدام شنقاً حتى الموت بتهمة خيانة الدولة العليّة، ثم نُفِّذ الحكم في ساحة المرجة التي سمِّيت فيما بعد «ساحة الشهداء»، لتكون هذه الساحة شهيدة وشاهداً على أفظع جريمة ترتكب في حقِّ نخبة من رجالات العلم والفكر والسياسة. ¶ المنشآت الأولى في الساحة كان والي دمشق، كنج يوسف باشا، أول من تنبَّه إلى أهمية هذه الساحة، فأنشأ فيها قصراً سنة 1807م، تاركاً مقرّ المشيرية، ومتحدِّياً قصر الوالي أسعد باشا 1750م في دمشق القديمة. وكان القصر يقع إلى جهة الجنوب، بينما كان جامع «يلبغا» المملوكي 1347م يقع إلى الشمال. وفي العام 1866، تمَّت تغطية النهر في عصر الوالي محمد راشد باشا، وهكذا أصبحت المنطقة ميداناً فسيحاً سُهّلت فيه حركة القوافل والنقل، فتمركزت فيه بعض الفعاليات المؤقتة، ما دفع الوالي حسين ناظم باشا سنة 1895 إلى بناء دار البلدية التي كرَّست هذه الساحة مركزاً جديداً للمدينة، وفيها تزاحمت وسائط النقل من عربات خيل ودواب. وأطلق على الساحة اسم الميدان الكبير. ومن المؤكَّد أنَّ بناءين آخرين سبقا بناء دار البلدية، أُنشأا أمام جامع «يلبغا»، هما بناء دار البرق والبريد ودار العدلية، إضافة إلى بناء السجن في الطرف المقابل.. وكانت بمجموعها نواة مركز المدينة الذي اتَّصل بأحياء أخرى بواسطة شوارع وطرق، من أهمها جادة السنجقدار من الشرق، يوازيها مدخل سوق التبن وسوق علي باشا، وإلى الجنوب زقاق رامي، وإلى الغرب جادة الشرابي وضفتا بردى، ومن الشمال زقاق البحصة البرانية المؤدِّي إلى حي سوق ساروجا، وكانت تقطنه الطبقة الرفيعة من العثمانيين. وأطلق عليها اسم اسطنبول الصغيرة. وفي العام 1900، فكَّر السلطان عبد الحميد، وبتأثير من الألمان، في إنشاء خط حديدي يمتدُّ من المدينة المنورة إلى دمشق الشام، ويصل إلى اسطنبول، ومنها إلى أوروبا. وكان الوالي ناظم باشا في دمشق قد استقبل أمر السلطان بلهفة، فقام بالإشراف على بناء الخط من الأموال التي خُصِّصت لذلك ومقدارها 283 ألف ليرة ذهبية، واستطاع الوالي أن يقتصد في الإنفاق، إذ كلَّف الجنود بأعمال البناء، فقام بتنفيذ منشآت مهمة مستعيناً بالمهندسين والفنيين الألمان والنمساويين الذين قدموا إلى دمشق لتنفيذ المشروع، نذكر منهم مايسنر باشا ودارندا الذي أصبح المسؤول الفني عن أعمال البناء، وزاد عدد الفنيين الألمان على نصف الفنيين العرب، وخاصة المصريين. لقد كان طراز بناء السرايا مطابقاً لطراز دار البلدية، وهو الطراز الكلاسيكي المحدث، وكان قد انتشر في فرنسا، وهو طراز مطوَّر ومبّسط عن الروماني القديم، وهو دليل على أنَّ الفنيين الأجانب قد نقلوا إلى دمشق الطراز المعماري الذي كان سائداً في بلادهم، والمختلف تماماً عن الطراز الذي عرفته دمشق في بناء قصر العظم، وقصر السعادة، وقصر كنج. لقد امتدَّ هذا الطراز إلى بناء دائرة الشرطة وطبابة المركز المحاذية لدار البلدية، وبينهما كان كشك عثماني الطراز لبيع الطوابع المالية والتبغ وغيرها. زيِّنوا المرجة ولا تزال المرجة مترسِّخة في تراث الدمشقيين، خاصة في تلك الأهزوجة الشعبية الجميلة التي أُطلقت أثناء إعدام شهداء السادس من أيار على يد جمال السفاح، ويقول مطلعها: «زيِّنوا المرجة.. والمرجة لينا.. شامنا فرجة وهي مزيّنة».. ولاتزال هذه الأهزوجة تتردَّد باستمرار في العراضات الشامية والمسلسلات التلفزيونية، كتعبير عن حضور هذه الساحة في الذاكرة، وارتباطها بالوجدان الشعبي. ومن الكوارث الطبيعية التي شهدتها الساحة، طوفان نهر بردى المتكرِّر، الذي كان يسمَّى «الزورة» أو «الفيضان»، إثر الأمطار الغزيرة التي كانت تغمر الساحة والأسواق المجاورة. وكان نهر بردى في بدايات القرن التاسع عشر يتفرَّع في هذه الساحة إلى فرعين يحتضنان جزيرة صغيرة غنية بالأشجار، كان بعضهم يطلق عليها اسم الجزيرة أو بين النهرين، ومن ثم أطلقوا عليها المرجة، بسبب غناها بالأشجار.. وحالياً وبعد جفاف نهر بردى، لم يبقَ من الساحة سوى ممر النهر الذي قامت محافظة المدينة بتزيينه بالبورسلان، وأنشأت حديقة صغيرة جميلة غُرست فيها الأزهار والورود الشامية، وزيِّنت بنوافير المياه التي تحيط بالعمود التذكاري، كما أنشأت في وسطها جسراً للمتنزّهين وأحاطتها بسوار حجري مزخرف جميل. |
| < السابق > | < التالى > |
|---|
| آراء |
| مقالات |
| زوايا لقمان ديركي |